وعلى الرغم من شيوع محطات التلفزة والاقمار الصناعية فان المجتمعات المتطلعة للادب والثقافة والفنون ما زالت تتجه الى الصورة والكلمة المطبوعة كوسيلة اوضح واسهل واكثر ادامة من اجل الدراسة والثقافة اذ اصبحت خبرة ومعرفة السابقين سهلة الانتقال الى الاجيال المتعاقبة عن طريق الكلمة المطبوعة وهذا ما يدفعنا للتساؤل متى بدا الانسان بمعرفة الطباعة والمطابع وكيف تطورت تكنولوجيا الطباعة على مر العصور حتى اصبحت فنا حفظ لنا اداب وثقافة وفنون مختلف الشعوب واضحت خيرات ومعارف السابقين سهلة الانتقال الى الاجيال المتعاقبة عن طريق الكلمة المطبوعة بعد ان واجه الكتاب مراحل وقرونا كان المخطوط وحده الذي يقدم العلوم والمعارف ويحفظ تراث المجتمعات.
يجمل لنا الباحث عبد الحسن محمد من جامعة بغداد تاريخ تدوين المعارف حتى دخلت المطابع وصنعت اولى مكائن الطباعة فيقول:
ـ منذ القدم والانسان يحاول ان يسجل تاريخ حياته ويدون علومه ومعرفته فكتب في ارض النيل على ورق البردى وفي الصين استعمل الحروف المصنوعة من الخشب للطباعة والاقدمون نقشوا على الجدران وكتبوا على الاجر الطري وشووه بالنار لكي يحفظوا ما كتبوا.
وقد لجأ العرب الى النساخين (الطباعين باليد) الذين كثروا في ذلك الوقت حيث كان الناسخ منهم يقضي شهورا طويلة في نسخ كتاب واحد كانت اجوره تبلغ ثمنا باهظا لايستطيع ان يشتريه احد الا من ابسط في رزقه... ومع ذلك فقد كثر النساخون في ذلك الوقت رغم ارتفاع اسعار الكتب.
وفي منتصف القرن الخامس عشر حدث انقلاب في عالم الطباعة حيث قام جوتنبرغ الالماني قبل العام 1455 بطباعة اول كتاب ظل الناس يذكرونه حتى الان الا وهو الانجيل حيث طبع هذا الانجيل بطريقة جمع الحروف وضم الاسطر وعمل صفحات نسقها كما يشاء وهي طريقة ما زالت بعض المطابع تستعملها حتى يومنا هذا مع تطور طفيف عليها.
وقبل عهد جوتنبرغ الالماني الذي يعرف بانه ابو الطباعة كانت الكتب تنسخ باليد وقليل من الناس كانوا ينعمون بنعمة القراءة التي كانت مقصورة على الاثرياء فقط حيث كانت تبلغ كلفة الكتاب الواحد ووفقا لحجمه ما بين 500 ـ 1000 دينار.وعلى مدى ثلاثمئة وخمسين عاما لم تتغير الامور في عالم الطباعة رغم ازدياد حاجة الناس للاداب والثقافة والفنون واحتياجهم للورق والحبر الخاص والى الآلة التي تطبع حيث سجلت اولى قفزات الطباعة العام 1800 اي قبل ثلاثة قرون حيث كانت الحروف تحضر باليد ثم يأتي سلندر معطى بالكاوتشوك ينقل الحبر الى الحروف وكان يلف السلندر المثبتة عليها فوق الورق ويضغط عليه حتى ينقل شكل الحرف او السطر على تلك الورقة وفي العام 1800 صنع ورق الرولات بدل الورق المنفرد.
اول مطبعة عربية
ـ في سنة 1716 انشئت اول مطبعة عربية في الاستانة في عهد السلطان سليم الثالث حيث كانت تطبع تلك المطبعة الكتب غير الدينية فقط ثم شجع السلطان سليم الثالث طباعة كتب الدين والفقه وامر بفتح مطبعتين اخريين.
واول بلد عربي عرف الطباعة هو لبنان حيث قررت روما تاسيس مطبعة في الشرق العربي لنشر المذهب الكاثوليكي فاقاموا مطبعة قرب طرابلس في ديرقزحيا وقد طبع في هذه المطبعة كتاب واحد وهو المزامير ثم اندثرت تلك المطبعة.
وبعد لبنان وفي العام 1706 عرفت سوريا الطباعة ولكنها ظلت بدائية لسوء الحالة الاقتصادية والثقافية وفي العام 1798 عرفت مصر المطبعة بعد هذا التاريخ اذ كانت بدون مطبعة حتى العام 1819 عندما امر والي مصر محمد علي بانشاء مطبعة في مصر وهي موجودة حتى يومنا هذا ومعروفة باسم المطبعة الاميرية ويعمل بها ما يقارب اربعة الاف عامل وهي اكبر مطبعة في الشرق العربي.
اول كتاب طبع في العراق
في العام 1830 طبع اول كتاب في العراق فقد تاخر العراق في معرفة الطباعة لضعف تطور البلاد الثقافي والاقتصادي في عهد العثمانيين وفي الاردن عرفت المطبعة العام 1928 حيث انشأ خليل نصر مطبعة الاردن وكانت تطبع جريدة الاردن وفي العام 1877 وبناء على امر السلطان عبد الحميد الثاني انشئت في اليمن اول مطبعة وكانت تطبع صحيفة صنعاء باللغتين العربية والتركية...
*ما مراحل تطور تكنولوجيا الطباعة لاسيما في البلدان العربية؟
ـ لقد تطورت الطباعة في الشرق العربي على مراحل فبعد ان كانت الالات تدار باليد اصبحت تدار بالكهرباء وبعد ان كانت الالة بدائية تعتمد على عامل الطباعة ليضع الورق يدويا ثم يناولها لزميل اخر بعد ان يلامس السلندر الورق والحبر والاحرف ويضغط عليها ليطبعها ، تطورت الالة فاصبح احدهم هو الذي يضع الورق بيده لتحملها اصابع خشبية من الخلف بعد طباعتها وتتولى امر ترتيب الورق وكانت تلك الالة تطبع من (500 ـ 1000) ورقة في اليوم حسب قدرة العمال.
ثم تطورت الالة لتصبح آلية بحيث توضع مجموعة من الورق تسحب بطريقة شفط الهواء وتسليمها لملاقط اوتوماتيكية ولها قدرة على طبع نحو 4000 ورقة في الساعة اي من 25 ـ 35 الف ورقة باليوم كما تطور صف الحروف اليدوي حيث اصبح آليا بعد ان صنعت ماكنات الانترتايب والمونتايب فكانت هذه الآلات نقمة على عامل تنضيد الحروف لسرعتها ووفرة انتاجها ورافق تطور الحروف صناعة الزينكوغراف والكليشيهات.
وفي نهاية الستينيات قفزت الطباعة قفزة جديدة وهي الطباعة التصويرية (الاوفست) وهي الات سريعة ودقيقة تطبع عدة الوان في ان معا.
وفي السبعينات تم اختراع الكمبيوتر ليلغي الاحرف سواء باليد او بالالة ونقل الطباعة الى عالم التكنولوجيا حيث دخلت العقول الالكترونية في الطباعة وكانت الطباعة مقصورة على طباعة الورق، اما الان فيطبع على التنك والخشب والقماش الاجسام ذات الاشكال المختلفة ومع تطور الطباعة تقلص حجم العمال في الشرق العربي من حيث الكم والخبرة ولم يعد للعمال مكانا في المطبعة اذا لم يدرس الطباعة ويصقل علمه بعمله الميداني.
* ماذا ايضا؟
ـ تطورت الطباعة تطورا هائلا واسهمت في نشر العلم والثقافة وبطرق علمية حديثة فاصبحت الطباعة عالماً قائماً بذاته يصعب شرح التطور الهائل الذي طرا عليه حتى يومنا هذا ويكفي القول ان هناك الات طباعة باتت تطبع في اليوم الواحد مليون نسخة جريدة وبعدة الوان وتطبع في نفس اليوم في اكثر من بلد عن طريق الانترنت وسبل الاتصال الاخرى.
وباتت تكنولوجيا الطباعة تدرس في المعاهد والكليات واصبحت من العلوم التي تتطلب خبرات واسعة لاستيعابها والحقت بالسلطة الرابعة وهي الصحافة في جميع الدول.
ولم تعد الطباعة وسيلة للاداب والثقافة والفنون ونشر العلوم فقط بل اصبح لها تاثير كبير في الصناعة والتجارة والسياحة وتبقى الكلمة المطبوعة حاجة المجتمع.